لا يُفهم المجتمع من نافذة واحدة. فمن ينظر إليه من زاوية التاريخ وحدها يرى ماضيًا بلا معنى، ومن ينظر إليه من زاوية الفلسفة وحدها يرى معنىً بلا واقع، ومن يقتصر على علم الاجتماع يرى بنيةً بلا ذاكرة ولا قيمة. والواقع أعقد من أن يفسره تخصص واحد، وأغنى من أن تختزله عدسة منفردة. ومن هنا انطلقت فكرة فانوس: أن المعرفة الحقيقية لا تُبنى من إجابة واحدة، بل من حوار دائم بين طرائق متعددة لفهم الإنسان والمجتمع.
لهذا لا نتعامل مع التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والبيئة وقضايا المرأة باعتبارها أقسامًا معرفية متجاورة، بل باعتبارها عدسات متكاملة، تكشف كل واحدة منها ما قد تخفيه الأخرى، وتصحح حدود الأخرى. ولا نزعم أن هذه العدسات تستنفد جميع وجوه المعرفة الممكنة، لكنها تمثل الإطار الذي اخترناه نقطة انطلاق لفهم المجتمع، لأننا نؤمن أن الإنسان لا يمكن اختزاله في بُعد واحد، كما لا يمكن فهم الواقع من خلال صوت واحد.
فالتاريخ يمنح المجتمع ذاكرته، لكن الذاكرة التي نعنيها ليست ما حفظته الدول في سجلاتها الرسمية وحدها، ولا ما دوّنته السلطات في أرشيفاتها. فكل مجتمع يكتب تاريخه بطرق متعددة؛ في الحكايات التي تتناقلها الأجيال، وفي الأغاني والأمثال، وفي ذاكرة القرى والأحياء، وفي تجارب العمال والنساء والمهاجرين والأقليات وكل الجماعات التي لم تمتلك دائمًا سلطة الكتابة، لكنها امتلكت حق العيش وصناعة التاريخ. لذلك لا ننظر إلى التاريخ بوصفه سردًا لانتصارات الدول أو تعاقب الحكام فحسب، بل بوصفه تاريخ الإنسان في مختلف أشكال حضوره، حيث لا تقل الحياة اليومية أهمية عن الحروب، ولا تقل ذاكرة المجتمع قيمة عن الوثيقة الرسمية. فمن دون هذه الذاكرة المتعددة يعيش الناس في حاضرٍ منقطع الجذور، يعيدون أخطاء لم يعرفوا أنها وقعت من قبل، ويحسبون كل تحول جديدًا وإن كان تكرارًا لما مضى.
لكن الذاكرة وحدها لا تكفي، إذ يمكن أن تُستحضر بلا تفكير، وأن تتحول إلى عبء إذا لم تُسأل عن معناها. وهنا يأتي دور الفلسفة، التي تمنح المجتمع القدرة على مساءلة ما ورثه، والتمييز بين ما يستحق أن يُحفظ وما ينبغي أن يُراجع، وصياغة القيم التي توجه اختياراته بدل أن تقوده الموروثات دون وعي.
أما علم الاجتماع، فهو بالنسبة إلينا علم البحث عن حقيقة المجتمع. ولا نعني بالحقيقة ما يظهر على السطح من ظواهر أو أرقام أو مؤسسات، بل تلك البنية الحية التي تمنح المجتمع وجوده واستمراره. فالمجتمع لا يقوم على الأفراد وحدهم، بل على شبكة من العلاقات، وعلى ذاكرة مشتركة، ولغة تحفظ المعنى، وأخلاق تنظم العيش، وثقافة تمنح الهوية، واقتصاد يؤمن الحياة، وقيم تحدد ما يعتبره الناس عدلًا أو ظلمًا. ومن هنا لا يقتصر سؤالنا على وصف المجتمع كما هو، بل يتجه إلى الكشف عن القوى التي شكلته، وعن نقاط التحول والإلحاح التي تدفعه إلى التغير، وعن العوامل التي تحفظ تماسكه أو تقوده إلى التفكك. كما نسعى إلى فهم الكيفية التي تحافظ بها المجتمعات على معتقداتها ولغاتها وقيمها وذاكرتها، أو تفقدها تحت ضغط الهيمنة والصراع والتحولات التاريخية. فغاية علم الاجتماع، كما نفهمه، ليست تسجيل الواقع، بل اكتشاف منطقه الداخلي، وفهم الشروط التي تجعل المجتمع قادرًا على تجديد نفسه دون أن يفقد هويته، وعلى التغير دون أن ينقطع عن جذوره.
وفي هذا كله، لا ننظر إلى المرأة بوصفها قضية اجتماعية من بين قضايا أخرى، بل بوصفها المرآة التي تنعكس عليها حقيقة المجتمع بأكمله، وباعتبارها معيارًا كاشفًا لمدى عدالة المجتمع واتساع فرصه وقدرته على مراجعة ذاته. فالعلاقة التي يقيمها أي مجتمع مع المرأة ليست شأنًا يخص النساء وحدهن، بل تكشف طبيعة علاقته بالحرية والسلطة والعمل والأخلاق والحياة نفسها. وما من نظام اجتماعي يمكن فهمه فهمًا كاملًا من دون أن يُسأل: كيف نشأت فيه علاقة المرأة بالرجل؟ وكيف توزعت الأدوار والسلطات بينهما؟ وما الذي حُفظ من إنسانية المرأة، وما الذي سُلب منها عبر التاريخ؟ لذلك لا نبحث في المرأة باعتبارها موضوعًا للدراسة، بل باعتبارها مفتاحًا لقراءة المجتمع؛ إذ إن كثيرًا من أشكال الهيمنة تبدأ بالهيمنة على المرأة، وكثيرًا من أشكال الحرية تبدأ باستعادة مكانتها بوصفها شريكًا كاملًا في صناعة الحياة والمعنى والتاريخ. فحين تُختزل المرأة يُختزل معها المجتمع كله، وحين تتحرر لا يتحرر نصف المجتمع فقط، بل تتحرر العلاقات التي يقوم عليها المجتمع بأسره. إذ لا يمكن لمجتمع أن يدّعي العدالة وهو يبني جزءًا من نظامه على الإقصاء، ولا يمكن لحضارة أن تزعم التقدم بينما تستمر في إعادة إنتاج أشكال قديمة من السيطرة بأسماء جديدة. فكل مجتمع يعجز عن تحرير علاقته بالمرأة، يعجز في النهاية عن تحرير علاقته بذاته.
هذه العلاقات لا تتشكل في الفراغ. فالإنسان لم يوجد أولًا ثم اخترع الطبيعة من حوله، بل وُلد في حضنها، وتعلم منها إيقاع حياته وحدود إمكاناته. ولهذا لا ننظر إلى البيئة باعتبارها قضية منفصلة تُناقش عندما تتلوث الأنهار أو تُقطع الغابات، بل باعتبارها الشرط الأول الذي يجعل المجتمع ممكنًا. وكل حضارة تنسى أنها جزء من الطبيعة تبدأ، من حيث لا تشعر، في هدم الأساس الذي تقوم عليه. فالاعتداء على البيئة ليس أزمة بيئية فحسب، بل أزمة في تصور الإنسان لمكانه في العالم، حين يتوهم أنه سيد الطبيعة بدل أن يكون أحد عناصرها.
لهذا لا نؤمن بأن المعرفة تُنتج لكي تُكدّس، ولا بأن البحث ينتهي عند نشر دراسة أو إصدار تقرير. فالمعرفة التي لا تغيّر طريقة فهم الإنسان لنفسه، ولا تساعد المجتمع على استعادة قدرته على التفكير في مستقبله، ليست إلا معلومات فقدت روحها. إن غاية البحث ليست أن يضيف صفحة إلى مكتبة، بل أن يضيف بصيرة إلى مجتمع.
ولهذا حملت الجمعية اسم فانوس. فالفانوس لا يرسم الطريق، ولا يملي على الناس أي اتجاه يسلكون، لكنه يكشف ما كان غارقًا في العتمة، ويترك لكل إنسان حرية أن يختار خطاه وهو يرى الأرض أمامه بوضوح. وهذا ما نطمح إليه: ألا نكون سلطة جديدة تنتج يقينًا جديدًا، بل مساحة تُستعاد فيها قدرة المجتمع على السؤال، لأن المجتمعات لا تبدأ بالانحدار حين تقل معارفها، بل حين تتوقف عن مساءلة ما تظنه معرفة.
جمعية الشباب للدراسات الاجتماعية
